سيد محمد طنطاوي
319
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أي أن الهداية التي ذكرها - سبحانه - في قولهم * ( إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) * لا تتم إلا بإصلاح النفس ودعوة الغير إلى الخير والبر . وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذه المعاني بقوله : كان المؤمنون تذهب أنفسهم حسرة على أهل العتو والعناد من الكفرة ، يتمنون دخولهم في الإسلام ، فقيل لهم * ( عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ) * وما كلفتم من إصلاحها والمشي بها في طرق الهدى * ( لا يَضُرُّكُمْ ) * الضلال عن دينكم إذا كنتم مهتدين . وليس المراد ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فإن من تركهما مع القدرة عليهما لا يكون مهتديا ، وإنما هو بعض الضلال الذين فصلت الآية بينهم وبينه « 1 » . ويبدو أن هذه الآية الكريمة قد فهمها بعض الناس فهما غير سليم - حتى في الصدر الأول من الإسلام . قال القرطبي : روى أبو داود والترمذي وغيرهما عن قيس بن أبي حازم قال : خطبنا أبو بكر الصديق - رضى اللَّه عنه - فقال : أيها الناس - إنكم تقرؤن هذه الآية وتتأولونها على غير تأويلها * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ) * وإني سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول : « إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه ، أوشك أن يعمهم اللَّه بعذاب من عنده » . وروى أبو داود والترمذي وغيرهما عن أبي أمية الشعباني قال : أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له : كيف تصنع بهذه الآية ؟ فقال : أية آية ؟ قلت : قوله - تعالى - * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ) * قال : أما واللَّه لقد سألت عنها خبيرا . سألت عنها رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقال : ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر . حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ، ودنيا مؤثرة . وإعجاب كل ذي رأى برأيه ، فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة ، فإن من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على الجمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم . وفي رواية قيل يا رسول اللَّه ! أجر خمسين منا أو منهم ؟ قال « بل أجر خمسين منكم » « 2 » . وأخرج ابن جرير عن جبير بن نفير قال : كنت في حلقة فيها أصحاب النبي صلى اللَّه عليه وسلم وإني لأصغر القوم فتذاكروا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر . فقلت أنا : أليس اللَّه يقول : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ) * فأقبلوا على بلسان واحد وقالوا : تنزع آية من القرآن لا تعرفها . ولا تدرى ما تأويلها - حتى تمنيت أنى لم أكن تكلمت - ثم أقبلوا يتحدثون ، فلما حضر قيامهم قالوا : إنك غلام حدث السن وإنك نزعت آية لا تدرى ما هي ، وعسى أن تدرك ذلك
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 658 ( 2 ) تفسير القرطبي ج 6 ص 343